صديق الحسيني القنوجي البخاري
11
فتح البيان في مقاصد القرآن
وبين ما أعد اللّه لهم من عذاب النار إلا أن ينفخ في الصور النفخة الثانية . وقيل : المراد بالصيحة عذاب يفجأهم في الدنيا وجملة : ما لَها مِنْ فَواقٍ في محل نصب صفة لصيحة ، قال الزجاج . فواق بفتح الفاء وضمها لغتان بمعنى واحد ، وهو الزمان الذي بين حلبتي الحالب ، ورضعتي الراضع ، وهو مشتق من الرجوع أيضا ، لأنه يعود اللبن إلى الضرع بين الحلبتين ، ويقال : أفاق من مرضه أي رجع إلى الصحة ، ولهذا قال مجاهد ومقاتل . إن الفواق الرجوع ، وقال قتادة : ما لها من مثنوية وقال السدي : ما لها من إفاقة ، وقيل : ما لها من مرد قال الجوهري : ما لها من نظرة وراحة وإفاقة . وقال ابن عباس : ما لها من رجعة . والفيقة اسم اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين وجمعها فيق وفواق وأما أفاويق فجمع الجمع قال الفراء والسدوسي وأبو عبيدة وابن زيد والسدي الفواق بفتح الفاء الراحة والإفاقة أي لا يفيقون فيها كما يفيق المريض والمغشى عليه . وبالضم الانتظار ، ومعنى الآية أن تلك الصيحة هي ميعاد عذابهم . فإذا جاءت لم ترجع ولا ترد عنهم ، ولا تصرف منهم ، ولا تتوقف مقدار فواق ناقة ، وهي ما بين حلبتي الحالب لها ، وهذا في المعنى كقوله تعالى : فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [ الأعراف : 34 ] . وَ لما سمعوا ما توعدهم اللّه به من العذاب قالُوا استهزاء وسخرية رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ والقط في اللغة النصيب من القط ، وهو القطع ؛ وبهذا قال قتادة وسعيد بن جبير ، قال الفراء : القط في كلام العرب الحظ والنصيب ، ومنه قيل للصك قط . قال أبو عبيدة والكسائي : القط الكتاب بالجوائز ، والجمع القطوط ، وأصله من قط الشيء أي قطعه ، ومنه قط القلم ومعنى الآية سؤالهم لربهم أن يعجل لهم نصيبهم وحظهم من العذاب ، وهو مثل قوله : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ [ الحج : 47 ] وقال السدي : سألوا ربهم أن يمثل لهم منازلهم من الجنة ليعلموا حقيقة ما يوعدون به . وقال إسماعيل بن أبي خالد : المعنى عجل لنا أرزاقنا ، وبه قال سعيد بن جبير والسدي . وقال أبو العالية والكلبي ومقاتل لما نزل قوله : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ [ الحاقة : 25 ] قالت قريش : زعمت يا محمد أنا نؤتي كتابنا بشمالنا فعجل لنا قطنا يوم الحساب ، قال ابن عباس : سألوا اللّه أن يجعل لهم ، وقال : قطنا نصيبنا من الجنة ، ثم أمر اللّه سبحانه نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يصبر على ما يسمعه من أقوالهم فقال : [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 17 إلى 20 ] اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 17 ) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ ( 18 ) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ( 19 ) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ ( 20 )